دور الصيدلي في حماية المرضى المعوقين من الاخطاء الدوائية: منظور حقوقي وانساني


بقلم د. غسان شحرور
تعرف سلامة المرضى بانها الجهود المنظمة لمنع الأضرار غير المقصودة اثناء تلقي الرعاية الصحية، بما في ذلك الاخطاء الدوائية، وسوء التواصل، والتداخلات العلاجية. وبالنسبة للمرضى المعوقين، تتضاعف مخاطر هذه الاخطاء بسبب فجوات التواصل، ومحدودية الوصول الى المعلومات الصحية، وتعقيد الانظمة العلاجية، والاعتماد في كثير من الاحيان على مقدمي الرعاية. وهنا يظهر الصيدلي بوصفه احد اهم خطوط الدفاع الاولى في حماية هذه الفئة، وشريكا اساسيا في ضمان حقها في الرعاية الصحية الامنة، انسجاما مع اتفاقية حقوق الاشخاص ذوي الاعاقة التي تؤكد حقهم في الحصول على خدمات صحية متاحة، وميسرة، وعالية الجودة دون تمييز.
يلعب الصيدلي دورا يتجاوز صرف الدواء الى حماية المريض من المخاطر المحتملة. فهو يراجع الوصفات الطبية، ويكشف التداخلات الدوائية، ويتحقق من الجرعات، ويمنع التكرار غير الضروري، ويشرح للمريض او لمقدم الرعاية كيفية الاستخدام الصحيح للدواء. وقد بينت مراجعات علمية وتقارير دولية صادرة عن منظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي للصيدلة ان تدخلات الصيادلة السريريين والصيادلة المجتمعيين تسهم في خفض نسبة كبيرة من الاخطاء الدوائية وتحسين الالتزام بالعلاج، خاصة لدى المرضى الذين يتناولون عدة ادوية في الوقت نفسه.
كما تشير الدراسات الى ان مراجعات الادوية التي يقودها الصيادلة يمكن ان تقلل التداخلات الدوائية بنسبة تتراوح بين 30 و50 بالمئة، وان تخفض وصف الادوية غير الضرورية بنحو 20 الى 25 بالمئة، كما تقلل الاخطاء المرتبطة بتعدد الادوية لدى كبار السن بما يقارب 35 بالمئة. وتمثل هذه النتائج اهمية خاصة للمرضى المعوقين، من كبار السن،  الذين يعانون في كثير من الاحيان من امراض مزمنة متعددة، ويحتاجون الى نظم علاجية معقدة تتطلب متابعة دقيقة وتواصلا فعالا.
وتؤكد الخبرات الدولية ان سوء التواصليظل من اكثر اسباب الاخطاء الدوائية شيوعا. فالمرضى الذين يعانون من ضعف السمع او البصر، او الاعاقات الذهنية، او محدودية الثقافة الصحية، قد يواجهون صعوبة في فهم تعليمات الدواء او الالتزام بها. ولذلك يصبح توفير التيسيرات المعقولة جزءا اساسيا من الممارسة الصيدلانية، مثل استخدام الخط الكبير، والرموز البصرية، والارشادات المصورة، والشرح الشفهي المبسط، والوسائل الرقمية الميسرة. وهذه الاجراءات ليست خدمات اضافية، بل تمثل تطبيقا مباشرا لحق الوصول الى المعلومات الصحيةالذي اكدت عليه اتفاقية حقوق الاشخاص ذوي الاعاقة.
وتبرز اهمية هذا الدور من خلال مواقف يومية بسيطة قد تصنع فارقا كبيرا. فمريض يعاني من ضعف شديد في البصر قد يتناول الجرعة الخاطئة بسبب عدم قدرته على قراءة الملصق الدوائي. وعندما يوفر الصيدلي بطاقة مكتوبة بخط كبير، مع شرح شفهي واضح، او ملصقا مميزا بالالوان او الرموز، يمكن تجنب خطا دوائي قد يؤدي الى مضاعفات خطيرة او دخول المستشفى. وفي مثل هذه الحالات، يصبح التواصل الفعال جزءا من العلاج نفسه.
وتقدم العديد من الدول نماذج عملية ناجحة في هذا المجال. ففي كنداتوسعت برامج الصيدلة المجتمعيةلتشمل الزيارات المنزلية لبعض المرضى ذوي الاعاقة وكبار السن، مع مراجعة الادوية وتقديم تعليمات مبسطة ووسائل بصرية تسهم في تحسين الاستخدام الامن للدواء، خاصة في المناطق البعيدة. وفي اليابان استخدمت بعض المؤسسات الصحية بطاقات مصورة ورموزا بصرية لتوضيح الجرعات ومواعيد تناول الدواء للاشخاص ذوي الاعاقات الذهنية او صعوبات القراءة، مما ساعد على تحسين الالتزام العلاجي والحد من سوء الاستخدام. وفي المملكة المتحدة اسهمت برامج مراجعة الادوية التي ينفذها الصيادلة بالتعاون مع فرق الرعاية الاولية ومقدمي الرعاية في تقليل الاخطاء المرتبطة بتعدد الادوية وتحسين سلامة المرضى من كبار السن والاشخاص ذوي الاعاقة.
كما يفتح التحول الرقمي افاقا جديدة لتعزيز سلامة المرضى المعوقين. فالوصفات الطبية الالكترونية تقلل اخطاء الكتابة، بينما تتيح التطبيقات الذكيةارسال تنبيهات بمواعيد الجرعات، واستخدام التسجيلات الصوتية، والرموز البصرية، وتقنيات قراءة النصوص، بما يساعد الاشخاص ذوي الاعاقات البصرية او صعوبات التعلم على استخدام الادوية بصورة اكثر امانا واستقلالية.
وبالنسبة لمنظمات المجتمع المدني، والجمعيات المهنية، والحقوقيين، تمثل هذه الخبرات فرصة لتعزيز ثقافة سلامة المرضى، ودعم التثقيف الدوائي، والمطالبة بادراج احتياجات الاشخاص ذوي الاعاقة ضمن سياسات الصيدلة

الوطنية. كما ينبغي تشجيع تدريب الصيادلة على مهارات التواصل مع مختلف فئات الاعاقة، واعتماد معايير للصيدليات الميسرة، وتوسيع برامج مراجعة الادوية للفئات الاكثر عرضة للاخطاء الدوائية.
ان تعزيز دور الصيدلي في حماية المرضى المعوقين من الاخطاء الدوائية ليس مجرد خيار مهني او تقني، بل هو التزام حقوقي وانساني يعكس احترام الكرامة الانسانية والحق في الرعاية الصحية الامنة. وعندما يصبح الوصول الى المعلومات الدوائية الميسرة جزءا من الممارسة اليومية، ويتحول الصيدلي الى شريك فاعل في حماية المرضى، تصبح المنظومة الصحية اكثر امانا، وشمولا، وعدالة، وتقترب بصورة اكبر من تحقيق هدفها الاساسي: الا يتعرض اي مريض لضرر يمكن الوقاية منه.

المصدر: مقالات د غسان شحرور، طبيب ومؤلف غزير الإنتاج في مجالات الثقافة والصحة وأمن الإنسان
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 15 مشاهدة
نشرت فى 29 يونيو 2026 بواسطة se7tna

صحتنا

se7tna
بوابة تهتم بالصحة وكيفية المحافظة عليها .. وأهم الأمراض وكيفية الوقاية منها »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

2,719,133